مقالات وآراء

"مغامرة رأس المملوك جابر" الأخيرة

عبدالمنعم علي عيسى


الاعلام تايم - الوطن


على إيقاعات عدة تسير اجتماعات اللجنة الدستورية التي شهدت «الموسعة» منها حدوث اختراقين مهمين في الثاني من الشهر الجاري، أولهما التوافق على «مدونة سلوك» التي تهدف لإبقاء التشنج بفعل رياح الخارج تحت سقف «المهمة التاريخية» التي جاء المتفاوضون لأجلها إلى جنيف وفقاً لتوصيف المبعوث الأممي غير بيدرسون، وثانيهما هو تشكيل «لجنة الصياغة» المصغرة التي ستكون معنية بدراسة التعديلات أو الإضافة أو حتى نسف مواد وإحلال أخرى مكانها.


هذه الخطوات المتسارعة نسبياً تشير إلى توافر الشحن اللازم لدفع العربة للانطلاق بزخم مبشر، وهذا يتمظهر في العديد من المؤشرات التي يمكن رصدها عبر التصريحات أو عبر ما يدور وراء الكواليس، وهو يقود إلى رؤية تكاد تكون واضحة المعالم لدى قيادات المعارضة بأن الخيارات خارج الانضواء تحت راية السيادة السورية تكاد تكون صفراً، دون أن يعني ذلك أن مسير العربة سوف يخلو من المطبات التي ستنشأ حتماً ما بعد دخول المسار خيار ملامسة الجمر الذي لا بديل من ولوجه، ولربما كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا في مركز «آغا خان» بلندن والتي نقلتها صحيفة «الغارديان» في الخامس من الشهر الجاري، إيذاناً بذلك الولوج.


كان دي ميستورا قد بدا وكأنه كمن يحمل منفاخاً يريد به ذر الرماد عن الجمر لشد عصب الوفد المفاوض، وإلا فماذا يعني قوله: إنه استقال من منصبه لأنه أدرك أن الرئيس بشار الأسد قد فاز في الحرب وأنه «لم يستطع مصافحته» وذاك تصريح غير بريء أقله في التوقيت الذي جاء فيه، ولا يمكن فهمه على أنه تقييم لتجربته الأطول من بين المبعوثين وإذا ما كان الأمر كذلك فإن الوقت لم يحن بعد لمراجعات كهذه، دي ميستورا الذي حدد في حديثه، سابق الذكر، نقطة التحول الكبرى في مسار الحرب السورية بالتوافق الحاصل بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأميركي السابق جون كيري في موسكو في 7 آب من عام 2016 والذي تعهدت موسكو بموجبه وقف غاراتها الجوية في مقابل تعهد الأميركيين فصل «جبهة النصرة» عن فصائل المعارضة السورية وهو ما أتاح، وفقاً لدي ميستورا، تقدم الجيش السوري في العديد من الميادين وصولاً إلى بسط سيطرته على حلب أواخر ذلك العام، هذا التحديد يثير إشكالات عدة بالنسبة لدي ميستورا نفسه الذي لم يمارس دوراً يتوافق مع تلك الرؤية وإنما ظل يغرد خارجها مما يبرزه أداؤه في المرحلة التي تلت ذلك الحدث أم إن فهم ما جرى جاء متأخراً ثلاث سنوات وأكثر؟


في مطلق الأحوال نقول للسيد دي ميستورا إن التاريخ السوري سوف يذكره على أن مشروعه كان يمثل استنساخاً رديئاً لمشروع الحاكم الأميركي للعراق بعد غزوه بول بريمر، الذي عمل على إنشاء نظام يقوم على «ديمقراطية المكونات» وما أفشله، نقصد هنا ما أفشل مشروع دي ميستورا، هو رفض المكونات السورية له بكل أطيافها، مع تسجيل توافق كردي وحيد معها، وهذا هو السبب الحقيقي لاستقالة دي ميستورا في تشرين الأول من العام الماضي، ففشل المشروع الكبير، الذي لم يرد إعلانه، هو الذي دفع بالتستر وراء هكذا مبررات لا تعدو أن تكون جزئية في سياق حرب عالمية شهدت عشرات التحولات وكذلك الانزياحات الكبرى وهي لا تزال تبدي إلى الآن الاستعداد لحصول المزيد منها.


الإيقاعات على الأرض تبدو غير معنية على الإطلاق بتوفير «الدفء» لقاعات جنيف الباردة هذه الأيام، ولعل السمة الأبرز فيها هو ما يمكن لحظه من التخبط الأميركي البادي بشكل كبير، فالرئيس دونالد ترامب وفي خلال أقل من عام كانت له ثلاثة قرارات بالانسحاب من سورية أعقب كلاً منها تعديل، والأخير منها جاء يوم الثلاثاء الماضي عندما وقع مرسوماً يقضي بتوسيع مهام قواته في شمالي وشرقي سورية، وقبله بيومين كانت وكالة «الأناضول» قد ذكرت أن واشنطن تقوم ببناء قاعدتين عسكريتين الأولى في بلدة «الصور» بريف دير الزور الشمالي، والثانية في مقر اللواء 113 بريف دير الزور الشمالي الغربي في الوقت الذي كان ترامب يعلن فيه عن نيته السيطرة على حقول النفط السورية، وهو الإعلان الذي لقي صدى واسعاً في الأوساط الروسية عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الخامس من الشهر الجاري قال فيه: «ليس لدي شعور بأنه يمكن الاتفاق مع الولايات المتحدة على شيء ما اليوم»، وهو تصريح يحمل ضمنا، ربما للمرة الأولى، حال خروج أميركي عن السياقات التي جرى التوافق عليها مع موسكو بطبعاتها المعلنة والسرية، بل تلك التي كانت تناقش حتما كاحتمالات بعيدة يمكن الذهاب إليها. أنقرة بدورها تتحسس بثقل الانزياحات الأميركية المقلقة لها أيضاً، وعبر عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تجمع انتخابي لحزب العدالة والتنمية في 5 تشرين الثاني الجاري بالقول: «على الرغم من الاتفاقيتين المبرمتين مع هاتين الدولتين، يقصد روسيا والولايات المتحدة، فإن الإرهابيين ما زالوا في مناطق سورية مثل منبج وتل رفعت ورأس العين».


وفق هذه الصورة المرتسمة أعلاه فإن الخطوة الأميركية ربما ستدفع بأنقرة نحو استئناف عمليتها العسكرية المسماة «نبع السلام» التي توقفت يوم 22 من الشهر الماضي بعد الإعلان عن اتفاق سوتشي الشهير مع موسكو، بل أيضاً الراجح هذه المرة أنها ستندفع إلى أبعد من المدى الذي حددته تلك الاتفاقية بعمق 30 كم، صحيح أنها لن تستطيع فعل ذلك دون توافق مع موسكو إلا أن الأخيرة قد تصبح أمام خيار وحيد هو «الغمز» لأردوغان لكي يفعل بعد الخطوة الأميركية الهادفة إلى خلط الأوراق من جديد.


لا يبدو أن الأكراد السوريين مدركين للفوارق بين الوضع الكردي في شمال العراق الذي وافقت أنقرة فيه العام 2003 على قيام حكم ذاتي موسع الصلاحيات بضمانات كبرى وبإغراءات اقتصادية، وبين الوضع الكردي في الشرق السوري الذي يستحيل عليها أن تقبل فيه تكرار السيناريو نفسه مهما بلغت الضغوط، فالنظرة التركية ترى أن أكراد شمال العراق، البارازانيين والطالبانيين، يغلب على استراتيجياتهم البراغماتية السياسية التي تقبل أن تبقي مستقبلها تحت وصاية إقليمية، على حين أنها ترى أن الأكراد السوريين المتبنين لفكر حزب العمال الكردستاني التركي «بي كي كي» الذي يذكي فيهم أحلام الانفصال، يشكل خطراً سياسياً كبيراً على الكيان التركي، ولربما نجد هنا ضرورة إلى القول إن أنقرة وعبر عملياتها العسكرية الثلاث «درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام» إنما قامت بوأد مشروع قيام دولة كردية في الشرق والشمال السوري في وقت كانت فيه تلك الدويلة المزعومة تحظى بدعم أميركي وإسرائيلي بالدرجة الأولى وكذلك بدعم أوروبي أهمه من فرنسا وألمانيا، وما يؤكد هذا الكلام رد رئيس إقليم الشمال نيجرفان بارزاني على دعوة القائد العام لـ«قسد» مظلوم كوباني التي دعا فيها مؤخراً سلطات الإقليم إلى العمل المشترك لتجاوز هذه «المرحلة التاريخية»، رد عليه نيحرفان في اليوم نفسه في الخامس من الشهر الجاري من على منبر مؤتمر «ميري» بالقول: «إن تركيا كانت تقول في كل الاجتماعات أن ليس لديها مشاكل مع الكرد بل مع حزب العمال الكردستاني» ثم أضاف: «حاولنا إيضاح هذه الحقيقة لقيادات «بي كي كي» لكن الأخير حاول كسب الشرعية من خلال الكرد السوريين وما تعرض له هؤلاء كان نتيجة هذه السياسات الخاطئة».


لا نقول هذا الكلام مديحاً بالدور التركي في سورية أو تبرئة لنياته، ولا تأكيداً لحب تركيا بسورية وحكومتها، لكن نقوله تثبيتاً لمنظور تركي ارتأى، وكان مصيبا في رؤياه، أن مشروع تقسيم سورية إذا ما نفذ في الشرق السوري فإنه ماض بالضرورة إلى الداخل التركي.


تغريدة مظلوم كوباني على موقع «توتير» في 6 تشرين الثاني الجاري عن استئناف قواته لعملها مع التحالف الأميركي لمحاربة داعش، لا يمكن قراءتها إلا على أنها «مغامرة رأس المملوك جابر» الأخيرة، وزيارته المطروحة إلى الولايات المتحدة إذا ما حدثت، فإنها ستثقل العلاقة التركية الأميركية المثقلة أصلاً بحمل الداعية الإسلامي التركي فتح الله غولن، ولربما لن يكون بعدها من طريق لتخفيف الأحمال الذي سيكون خياراً حتميا لواشنطن ولو بعد حين إلا طريق واحد تقود فيه الاستخبارات المركزية الأميركية، كوباني نفسه إلى جزيرة إيمرالي كما فعلت مع رئيس حزب العمال الكردستاني التركي عبدالله أوجلان الذي قيل إنه تربى في كنفه منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

Copyrights © al-elam.com

المصدر:   http://emediatc.com/?page=show_det&category_id=15&id=65602