مقالات وآراء

بالأحمر.. السوريون يتحدون الدم بالحبّ

نسرين ترك


يبدو أنّ اللون الأحمر لم يعد رمزاً للحبّ وحده في بلادٍ تبتدع الحياة من بقايا الحرب،  فلم نعهد من الأحمر يوماً إلا كونه  لوناً للعشاق وشعاراً لهم في مهرجانات عشقهم السنوية، فيما تحولت اليوم إلى راعي رسمي للموت في حضرة الحرب.

 

فالألوان لغة ورمز، اكتسبت  عبر الأزمنة معاني ودلالات في حياة المجتمعات، ومع تقدم العلم وظفتها  وسائل الإعلام  في نقل أفكارها، وأكد علماء النفس أن للألوان ثأثيراً في النفس البشرية، كما ربطها الأقدمون بالكواكب والآلهة، فاللون الأحمر يعود إلى "مارس" إله الحرب وبغضه وعنفه.. وفي الحضارة الفرعونية، ربط المصريون الأحمر بالطاقة والدم ،وفي الحضارة الهندية يعني الطبقة الارستقراطية، أما اليابانيون فاستخدموه لطرد الكوابيس.

 

فكيف يسجل عيد الحبّ مروره هذا العام في ذاكرة شعب، أصبح فيه الأحمر مصدراً للألم والقتل والخوف والفقدان..! ولون التناقضات الكبرى في بلادٍ امتزج فيها لون الحب بالحرب، وانتُهكت فيها حارات العشاق وحدائقهم، مخلّفة اللّون الأحمر لكن بصيغة مختلفة هذه المرة، فالدماء التي سالت لم يكن الحب عنوانها..


كيف أصبحت علاقة السوريين باللون الأحمر، وهل تغيرت نظرتهم إليه بين ماضٍ ينعم بالسلام، وحاضرٍ غارق بالدم، وهل مايزال للحب حيّز تنبض به الحياة؟؟


"لينا أحمر" طالبة جامعية تكره هذا اللون نتيجة تجاربها المؤلمة خلال سنوات الحرب  حيث قالت: "لن أنسى يوما عدد المرات التي خطوت فيها من فوق زجاج مبعثر ممزوج بدم فاضت به الكثير من شوارع مدينة  تعيش تحت قذائف الحقد".

 

فيما لم تختلف رؤية "المعتصم خربيط"  للون الأحمر خلال سنوات الحرب فرغم كل مايحصل أكّد حرصه على ذائقته البصرية، من خلال متابعته للفنون عامة وارتياد دور السينما. وقال:" في البداية كنا ننظر إلى اللون الأحمر من الناحية السلمية فقط، والرموز المتعلقة بالحب والمشاعر، لكن مع بدء الحرب اختلفت المعايير"، ويرى خربيط أنّ الفنانين في سورية يبذلون جهداً كبيراً لرفع مستوى الذائقة البصرية عند الناس، ومعالجتهم نفسياً، ويقول: "هذا هو الدواء الذي لجأت إليه أمام هذا الواقع ، فهي الحلّ الوحيد لترميم التشوه البصري الذي تخلّفه الحرب في نفوسنا".

 

أمّا سامر ابراهيم " 29 عام،  يرى من اللون الأحمر في مدينة الحرب رمزاً للتحدي.. تحدي الموت بالحب، الذي لطالما كان عراباً للعاشقين . وقال: " مرّ عيد العشاق هذا العام  باللون الأحمر، فهو لون الحب ولن يتغير رغم الظروف".

 

ولمّا كانت الذاكرة الجمعية للشعوب تتشكل من خلال تجاربهم وخبراتهم.. يثبت الشعب السوري مرّة أخرى أن لا قواعد تحكمه، وذاكرته تفوق كل المآسي.. فالشعب الذي يخلق الحياة رغماً عن الدمار، قادر على تطويع الألوان ليرى من خلالها الحب ويخلق من ألمها الأحمر لوناً للكثير من الحب..

 

مركز الإعلام الالكتروني

 

Copyrights © al-elam.com

المصدر:   http://emediatc.com/?page=show_det&category_id=15&id=17575